الزواج العذري

 

قبل حوالي ثلاثة أشهر، راجعتني إمرأة، تطلب مني المساعدة في إيجاد حل لمشكلة إبنتها التي مرّ على زواجها ما يقارب العام وما زالت عذراء.

وتكمن المشكلة في أن زوجها مهندس معروف وهو يرفض طلب المساعدة والإستشارة الطبية، معتبراً ذلك يمس برجولته.

سألتني مستغربة: كيف لذلك أن يحدث وزوج ابنتي رجل مثقف؟! وهل من علاج لهذه المشكلة؟ ولماذا يحدث ذلك؟ هل هي مشكلة ابنتها؟ هل هي مشكلة زوجها؟ أم هي مشكلة الإثنين معاً؟!

 

يُعرف الزواج غير التام أو العذري أو غير الكامل بأنه عدم ممارسة الزوجين للجماع الجنسي، وبالتالي عدم فض غشاء البكارة، وذلك لعوامل وأسباب تتعلق بالزوجين على حدّ سواء، وقد لا تقتصر على أحدهما.

ويعرف الجماع الجنسي Sexual Intercourse من الناحية القانونية بأنه الإيلاج داخل فتحة المهبل أو الشرج أو الفم. أما من الناحية الجنسية - الإنجابية فيعرف الجماع الجنسي بأنه إيلاج العضو الذكري في فتحة المهبل للمرأة بهدف الاستمتاع الجنسي أو الإنجاب، أو الإثنين معاً.

وفي الزواج غير التام Unconsummated Marriage نلاحظ عدم حصول جماع جنسي بين الزوجين مطلقاً، وبأنه لم يكن لهما دراية بالنشاط الجنسي، بل قد يكونان مُنعا من التفكير فيه في فترة حياتهما التي سبقت الزواج. ويزداد شعورهما بالذنب والخجل وعدم الكمال وتقدير الذات المنخفض وعدم الثقة بالذات بسبب مشكلتهما. وقد يضع كل منهما الملامة على نفسه أو على شريكه هروباً من الواقع.

ويعاني الإثنان من الصراع والحيرة بين التستر على مشكلتهما وبين حاجتهما لطلب المساعدة والمشورة (مهما كانت خلفيتهما الثقافية والإجتماعية).

وهناك الكثير من الأزواج الذين مرت على زواجهم سنوات طويلة دون فض غشاء البكارة، وأعني هنا دون تحقيق الإيلاج. وقد سجل الباحثان وليم ماسترز William Masters وفرجينيا جونسون Virginia Johnson حالة زواج غير تامة بلغت مدتها سبعة عشر عاماً. وإني لا أبالغ في القول بأنه مرّ علي حالة في القدس الشرقية بلغ فيها الزوجان سن الشيخوخة، دون إتمام العلاقة الجنسية. والملفت للإنتباه ان الزوجين كانا يعيشان في جو من المحبة والإنسجام.

وعادة، لا يطلب الزوجان المساعدة الطبية المباشرة. فمثلاً: تقوم الزوجة بالكشف عن المشكلة من خلال زيارتها لطبيب الأمراض النسائية، بسبب شكاوى مزعومة وغير واضحة تتعلق بالمهبل أو بأسفل البطن، وشكاوي جسدية أخرى. ولدى الفحص الطبي قد يكتشف الطبيب أن غشاء البكارة لدى الزوجة سليم ولا توجد أي علامات جسدية تدل على ممارسة الجنس وتحديداً الإيلاج، إذ أنه هنالك علامات تدل على حدوث الإيلاج، وخاصة في حال تكراره، حتى لو حافظ غشاء البكارة على سلامته، ولا مجال لذكرها هنا كونها مهنية صرفة.

وتتعدد أسباب الزواج غير التام، وأهمها عوز التثقيف الجنسي (وأكرر مهما كانت الخلفية الثقافية للرجل أو للمرأة، مع أن هذه الظاهرة اكثر انتشاراً في المجتمعات المتدنية اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً)، تحريم الأهل بشكل خاص والمجتمع بشكل عام مناقشة المواضيع المتعلقة بالجنس، ومنع الإختلاط والإحتكاك مع الجنس الآخر، سواء كان ذلك على شكل نشاط اجتماعي أو على شكل السماح للشباب بالحرية لإختيار صديقة او صديق. وقد يكون سبب الزواج غير التام عائداً الى مشاكل متعلقة بعقدة أوديب Oedipus Complex، وهي عبارة عن عقدة نفسية تتميز بحب الإبن لأمه والبنت لأبيها حباً مفرطاً مصحوباً بتحيز ضد الأب في الحالة الأولى، وضد الأم في الحالة الثانية. (وأوديب هذا هو شخصية يونانية اسطورية، ترعرع بالتبني لزوجين، وعندما كبر قتل أباه وتزوج أمه).

كذلك فإن عدم نضوج الزوجين أو الزواج المبكر والإعتماد المفرط على الأهل قد يؤديان الى تطور الزواج غير التام. وقد يعاني أحد الطرفين من مشاكل في التماثل (الهوية) الجنسي Sexual Identification.

ومن أكثر الأسباب شيوعاً للزواج غير المكتمل هو التفسير الخاطئ للمعتقدات والتعاليم الدينية، التي تربط الجنس بالخطيئة وعدم الطهارة الروحية والجسدية.

وللعديد من نساء الزواج غير التام مفهوم خاطئ ومشوه بالنسبة للمهبل، اذ ربما يعتقدن أو يخفن من أن تكون فتحة المهبل الخارجية صغيرة جداً أو رقيقة ولينة. وقد يخلطن بين فتحة الشرج وفتحة المهبل. وهذا يؤدي بدوره الى الشعور بالقذارة وعدم النظافة. وقد يشارك الزوج زوجته في هذه المفاهيم والمعتقدات الخاطئة المتعلقة بالمهبل، وقد يظنان بأنها تشكل خطراً عليهما.

وبالمثل، فقد يكون للزوجين مفاهيم وتصورات خاطئة ومشوهة عن العضو الذكري، فيتهيئ لهما على أنه سلاح، أو كبير الحجم أو صغير جداً...

وقد فسر العالم والطبيب سيغموند فرويد Sigmund Freud انخفاض الرغبة الجنسية كنتيجة للكبح في المرحلة القضيبية Phalic Stage من مراحل النمو الجنسي - النفسي للطفل، ومن هذا المنطلق قد يتأثر الرجل بهذه المرحلة من طفولته، فنراه يخاف من الجهاز التناسلي الأنثوي، معتقداً بأنه سيشوهه في حال تمّ الإتصال الجنسي مع زوجته. وقد راجعني مرة رجل مستفسراً ان كان لفتحة المهبل الخارجية اسناناً، ولم استغرب لذلك، اذ ان فرويد تطرق الى هذه الظاهرة وسماها "رحم ذو أسنان" Vagina Dentate. ولهذا نرى ان الرجل يتجنب الإتصال مع الجهاز التناسلي لشريكته بصورة كلية.

 

 

العلاج

 

من الخطأ ان يلجأ اختصاصي الأمراض النسائية لفض غشاء البكارة جراحياً Hymenectomy بهدف حل هذه المشكلة. فقد يشكل التدخل الجراحي عبئاً نفسياً إضافياً على الزوج والزوجة على حدّ سواء، إذ يؤدي ذلك الى زيادة الشعور بعدم الثقة بالذات وبعدم الكفاءة الجنسية لدى الإثنين، وخاصة لدى الرجل. ومن المحتمل ان تشعر الزوجة بأنه قد تمّ إيذاؤها او التعدي عليها جنسياً Sexual Abuse أو انها قد شوهت. أما بالنسبة للزوج فقد تتزعزع ثقته بفحولته، لأن التدخل الجراحي لا يحل المشكلة بل يزيدها تعقيداً. أما في حال كون العلاج الجراحي هو الحل الأخير، وقد فشلت جميع المحاولات والطرق العلاجية الأخرى، فيجب تحضير الزوجة نفسياً قبل الشروع بالتدخل الجراحي. ومن دواعي السخرية أن يلجأ الزوجان للطبيب طلباً للإستشارة الطبية بخصوص استعمال موانع الحمل أو عدم الإنجاب.

والعلاج الأمثل للزواج غير التام والمكتمل هو التثقيف الجنسي، والإلمام بالتركيب التشريحي والوظيفي للجهاز التناسلي الذكري والأنثوي، على نماذج إصطناعية بداية، ومن ثم كل على نفسه (جسده).

كذلك من المفيد مشاهدة أفلام علمية مهنية عن عملية ممارسة الجنس، تخلو من الأسلوب والهدف التجاري الرخيص. وقد يصل الحد الى قيام الطبيب أو المختص العلاجي بمساعدة الزوجين على المبادرة الجنسية، ويعتبر الاختصاصي بعلم الجنس Sexologist هو الشخص المناسب للقيام بهذه المهمة الصعبة.

 

 

 

عودة الى الصفحة الرئيسية