عقار الصدق

 

من منا لا يذكر الافلام، ايضا العربية، المثيرة التي تتمحور حول عقار الصدق، الذي يكتشفه عالم ويعطى لانسان معين فيجعله يفصح عمّا يرى ويفكر في الغير وعن رأيه في اخلاقهم وفي تصرفاتهم...؟!

كيف تجيء الصراحة المطلقة بدل"اداب" المسايرة واساليب المداهنة، او الخوف من المصارحة والمواجهة، ويجيء القول الصادق،الحارق، بدل كلمات وتعابير المجاملة والرياء الذي يميز سلوكنا وحياتنا.

وعندها يكون الاحراج سيّد كل المواقف.

وعادة تنتهي هذه الافلام بان"يعود الانسان الى رشده" بعد ان يبطل مفعول العقار، وبعد ان يصلي الى ابطاله، وتعود الامور الى نصابها والحياة الى طبيعتها. تنتهي لكي يستطيع ان يخرج المرء من"جهنم الصدق"..

 لكني لا اذكر افلاما تدور حول عقار يتناوله شخص يبدأ برؤية نفسه هو على حقيقتها، يبدأ بمتابعة وبفضح نفسه هو، او على الاقل بانتقادها..ولا عجب..

٭٭٭

ولا عجب، لان عقارا من هذا النوع  قد يؤدي الى قيام الشخص الذي يتناوله بالانتحار، بعد ان يرى حقيقة نفسه..

ذلك لأن النقد الذاتي في الواقع هو بضاعة كاسدة، هذا اذا كانت اصلا موجودة في"الاسواق".. وهذا الأمر خسارة.. لان العالم لا يتغير تجاهك الاّ اذا انت تغيّرت.. في الاساس مع نفسك، وايضا مع العالم، مع الآخرين..

هذا خسارة لأن الانسان يكتشف، حينما يلجأ الى الصدق المطلق مع نفسه، ان في عينيه غابة، تقاس بالغبرة في اعين غيره.

مثلاً، هل سمعتم مرّة عن واحد او واحدة يفصحان بصدق وصراحة عن كونهما لربما سبب خلاف او نزاع او سوء تفاهم؟!

وهل تعرفون واحدا او واحدة يقرّون ويعترفون انهما يبحثان عن النميمة وانها اكسير حياتهما.

وهل بلغت مسامعكم قصة احد او واحدة يعاملان الغير بما يطالبان هما بان يعاملا؟

هل قرأتم عن ملاك، ذكر او انثى، يعترف باخلاق وسمات وجمال واناقة الغير، مقارنة مع نفسه او نفسها..؟

٭٭٭

لو كان هناك"عقار صدق مع الذات" ربما بطلت كل التصرفات والعادات السيئة والذميمة، من الحسد حتى الكراهية، من الاستغياب وحتى النميمة.

لو كان هناك"عقار صدق" لبطل الحسد وصناعة خلق واذاعة وبث الاشاعات وبطل حب إثارة الخلافات والعداوات والشروخ بين الناس، وبطلت كل العادات التي تجعل الانسان يموت همّا، ولا اقصد من الحسد وحده.

 ولو بطلت كل هذه العادات لعاش الانسان حياة كلّها سعادة ورضى واكتفاء وصدقاً ومحبّة. لو بطلت، كل هذه العادات، لما عاد هنالك احد يضطر ان يقضي حياته هو ايضا فريسة وضحية لنفس هذه العادات، حين يمارسها الغير تجاهه.

٭٭٭

فما رأيكم ورأيكن..؟!!

جرّبوا، تصرفوا انتم، وليظل الآخرون يعانون.. ان هم اصرّوا على عدم اجتثاث هذه العادات والاقلاع عنها.

ليظلوا هم مدمنين عليها، وبالتالي فريسة لها ولانفسهم"العاطلة"..

أفضل لكم ان تعانوا من الآخرين من ان تعانوا من انفسكم، وفي الوقت ذاته تظلون تعانون منهم ايضاً..

اما انت يا الله، فاجعلنا صادقين وصادقات في البحث  عن الصدق في انفسنا، لدينا.. اجعلنا، من باب الرحمة والرفق بنا، قبل غيرنا.